الغزالي

4

المستصفى

2 - ونقلي محض ، كالأحاديث والتفاسير والخطب في أمثالها يسير ، إذ يستوي في الاستقلال بها الصغير والكبير ، لان قوة الحفظ كافية في النقل ، وليس فيها مجال للعقل . 3 - وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع ، واصطحب فيه الرأي الشرع ، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل ، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل ، فلا هو تصرف بمحض العقول ، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول ، ولا هو مبني على محض التقليد ، الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد ، ولأجل شرف علم الفقه وسببه ، وفر الله دواعي الخلق على طلبه ، وكان العلماء به أرفع العلماء مكانا ، وأجلهم شأنا ، وأكثرهم أتباعا وأعوانا ، فتقاضاني في عنفوان شبابي اختصاص هذا العلم بفوائد الدين والدنيا ، وثواب الآخرة والأولى ، أن أصرف إليه من مهلة العمر صدرا ، وأن أخص به من متنفس الحياة قدرا ، فصنفت كتبا كثيرة في فروع الفقه وأصوله ، ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة ، ومعرفة أسرار الدين الباطنة ، فصنفت فيه كتبا بسيطة ، ككتاب إحياء علوم الدين ووجيزه ، ككتاب جواهر القرآن ، ووسيطه ككتاب كيمياء السعادة ، ثم ساقني قدر الله تعالى إلى معاودة التدريس والإفادة ، فاقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه تصنيفا في أصول الفقه ، أصرف العناية فيه إلى التلفيق ، بين الترتيب والتحقيق ، وإلى التوسط بين الاخلال والاملال ، على وجه يقع في الفهم دون كتاب تهذيب الأصول لميله إلى الاستقصاء والاستكثار ، وفوق كتاب المنخول لميله إلى الايجاز والاختصار ، فأجبتهم إلى ذلك مستعينا بالله ، وجمعت فيه بين الترتيب والتحقيق لفهم المعاني ، فلا مندوحة لأحدهما على الثاني ، فصنفته وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب يطلع الناظر في أول وهلة على جميع مقاصد هذا العلم ، ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النطر فيه ، فكل علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه ، فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومباغيه ، وقد سميته : كتاب المستصفى من علم الأصول والله تعالى هو المسؤول لينعم بالتوفيق ، ويهدي إلى سواء الطريق ، وهو بإجابة السائلين حقيق .